في عالم التغذية الرياضية، يُعتبر الأنسولين “سيفاً ذو حدين”. فهو الهرمون المسؤول عن تخزين الدهون، ولكنه في الوقت نفسه الهرمون البنائي الأقوى المسؤول عن نقل المغذيات إلى العضلات. السر لا يكمن في تجنب الأنسولين، بل في التوقيت.
هنا يأتي دور مفهوم تغذية ما حول التمرين (Peri-workout Nutrition)، وهو الاستراتيجية التي تستغل الفترات التي تكون فيها العضلات متعطشة للجلوكوز، مما يسمح لك بتناول الكربوهيدرات لخدمة هدف واحد: الاستشفاء والنمو العضلي (Hypertrophy).
أولاً: ماذا نعني بحساسية الأنسولين (Insulin Sensitivity)؟
ببساطة، حساسية الأنسولين هي مدى كفاءة استجابة خلايا جسمك للأنسولين.
-
حساسية عالية: يعني أن الجسم يحتاج لكمية قليلة من الأنسولين لخفض سكر الدم ونقل الجلوكوز إلى الخلايا (حالة صحية ومثالية لبناء العضلات).
-
حساسية منخفضة (مقاومة): يعني أن الجسم يضطر لإفراز كميات ضخمة من الأنسولين للتعامل مع نفس كمية الكربوهيدرات، مما يزيد احتمالية تخزين الزائد كدهون.
الفكرة الجوهرية: تتغير حساسية الأنسولين في جسمك على مدار اليوم، وتصل إلى ذروتها في وقت محدد جداً: حول فترة التمرين.
ثانياً: ميكانيكية عمل العضلات أثناء التمرين (The GLUT4 Magic)
لماذا تكون العضلة “إسفنجة” لامتصاص الجلوكوز بعد التمرين؟
في الحالة الطبيعية، يحتاج الجلوكوز إلى الأنسولين لفتح “بوابات” الخلايا. ولكن، أثناء الانقباض العضلي الشديد (رفع الأثقال أو تمارين المقاومة)، تحدث عملية فسيولوجية مذهلة:
-
تتحرك نواقل خاصة تسمى (GLUT4) من داخل الخلية العضلية إلى سطحها.
-
تسمح هذه النواقل بدخول الجلوكوز إلى العضلة بشكل مستقل عن الأنسولين أو بوجود كميات ضئيلة جداً منه.
-
هذا يعني أن العضلة تمتص الكربوهيدرات بشراهة لتعويض الجليكوجين (مخزون الطاقة) المفقود، تاركة فرصة ضئيلة جداً لتحويل هذا السكر إلى دهون.
اقرأ عن : رجيم البيض في الكيتو ٥ أيام لنزول الوزن بسرعة وكسر ثبات الوزن
ثالثاً: استراتيجية تغذية ما حول التمرين (Peri-workout)
لتحقيق أقصى استفادة من “تخليق البروتين” (Protein Synthesis) ومنع الهدم العضلي، يجب تقسيم التغذية حول التمرين كالتالي:
1. ما قبل التمرين (Pre-Workout): شحن الطاقة
الهدف هنا هو توفير وقود للأداء الرياضي دون التسبب في ارتفاع حاد ومفاجئ لسكر الدم يؤدي لخمول لاحق.
-
التوقيت: 1-2 ساعة قبل التمرين.
-
نوع الكربوهيدرات: معقدة أو متوسطة المؤشر الجلايسيمي (مثل الشوفان، البطاطا الحلوة، الأرز البني).
-
الفائدة: ضمان مخزون جليكوجين كافٍ لرفع أوزان أثقل وأداء تكرارات أكثر.
2. ما بعد التمرين مباشرة (Post-Workout): النافذة الذهبية
هذه هي أهم مرحلة في “توقيت الكربوهيدرات”. العضلات الآن فارغة، حساسة جداً للأنسولين، ومستعدة للامتصاص.
-
الهدف: رفع الأنسولين بشكل حاد وسريع (Insulin Spike).
-
لماذا؟ لأن الأنسولين سيعمل كـ “شاحنة نقل” تحمل الأحماض الأمينية (من البروتين) والجلوكوز وتدفعها بقوة داخل الخلية العضلية. هذا يوقف عملية الهدم العضلي (Catabolism) ويبدأ عملية البناء فوراً.
-
نوع الكربوهيدرات: بسيطة وسريعة الامتصاص (مثل الموز، التمر، كعك الأرز، أو مكملات الدكستروز).
-
المعادلة المثالية: بروتين سريع الامتصاص (واي بروتين) + كربوهيدرات سريعة الامتصاص.
ملاحظة: الخوف من السكر في هذه الوجبة تحديداً غير مبرر للرياضي، لأن الجسم سيعطي الأولوية لملء مخازن العضلات (الجليكوجين) قبل أن يفكر في تخزين الدهون.
رابعاً: العلاقة بين الأنسولين وتخليق البروتين
لا يمكن بناء العضلات بفعالية قصوى بالاعتماد على البروتين وحده. عملية تخليق البروتين العضلي (MPS) تحتاج إلى طاقة وإشارة بدائية.
اقرأ عن : ألذ وأقوى ١٠ أطعمة لحرق دهون البطن
-
تناول الكربوهيدرات يرفع الأنسولين.
-
الأنسولين يفتح مسارات خلوية (مثل مسار mTOR) الذي يعتبر المفتاح الرئيسي للنمو العضلي.
-
بدون الكربوهيدرات بعد التمرين الشاق، قد يستخدم الجسم جزءاً من البروتين المتناول كوقود (عملية مكلفة وغير فعالة) بدلاً من استخدامه للبناء.
الخلاصة: متى تأكل الكربوهيدرات؟
لكي تحافظ على نسبة دهون منخفضة وتزيد من الكتلة العضلية، اجعل استهلاكك للكربوهيدرات “استراتيجياً”:
-
ركز الكربوهيدرات حول التمرين: اجعل 40-60% من حصتك اليومية من الكربوهيدرات في وجبتي قبل وبعد التمرين.
-
باقي اليوم: ركز على البروتين، الدهون الصحية، والخضروات، للحفاظ على مستويات أنسولين مستقرة ومنخفضة، مما يشجع الجسم على حرق الدهون كوقود في أوقات الراحة.
-
استغل الحساسية: تذكر أن العضلة المجهدة هي عضلة “جائعة” وليست “مخزنة للدهون”.



