كيف تدير بكتيريا الأمعاء معركتك مع السمنة؟ لطالما اعتقدنا أن معادلة السمنة بسيطة: “سعرات داخلة مقابل سعرات خارجة”. لكن العلم الحديث كشف عن لاعب خفي وشرس في هذه المعادلة، وهو ميكروبيوم الأمعاء (Gut Microbiome).
في داخل جهازك الهضمي، تعيش تريليونات من البكتيريا والفطريات التي لا تكتفي بانتظار الطعام، بل تتحدث مع دماغك، وتتحكم في هرمونات جوعك، وقد تكون هي السبب في أنك تشتهي السكر أو تشعر بالشبع السريع. إليك كيف يعمل هذا النظام البيئي المعقد.
أولاً: هل بكتيرياك تجعلك سميناً؟ (معادلة Firmicutes vs. Bacteroidetes)
اقرأ عن : توقيت الكربوهيدرات وحساسية الأنسولين: كيف توجه الغذاء نحو العضلات لا الدهون؟
أظهرت الدراسات الرائدة أن تكوين بكتيريا الأمعاء لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة يختلف جذرياً عن الأشخاص النحيفين. القصة تدور حول عائلتين رئيسيتين من البكتيريا:
-
الفيرميكوتس (Firmicutes): “محبات السعرات”. هذه البكتيريا بارعة جداً في استخلاص الطاقة من الألياف التي لا يستطيع الجسم هضمها عادة. إذا كانت لديك نسبة عالية منها، فإن جسمك يمتص سعرات حرارية أكثر من نفس كمية الطعام مقارنة بشخص آخر.
-
الباكتيرويديتس (Bacteroidetes): مرتبطة بالنحافة. الأشخاص النحيفون يميلون لامتلاك نسبة أعلى من هذه العائلة.
المفارقة: شخصان قد يأكلان نفس التفاحة، لكن الشخص الذي تسيطر عليه بكتيريا Firmicutes قد يمتص منها طاقة أكبر ويخزنها دهوناً.
ثانياً: التلاعب بالشهية.. كيف “تطلب” البكتيريا طعامها؟
البكتيريا ليست ضيوفاً صامتين؛ فهي تفرز مواد كيميائية تؤثر مباشرة على مراكز الشهية في الدماغ عبر “العصب الحائر” (Vagus Nerve).
1. هرمون الجوع (Ghrelin)
بعض أنواع البكتيريا (مثل H. pylori) تؤثر على مستويات هرمون الجريلين. عندما تتكاثر البكتيريا التي تتغذى على السكر، فإنها قد تفرز إشارات تزيد من شعورك بالجوع وتدفعك لتناول السكريات لتغذي نفسها، مما يجعلك تظن أنك أنت من يشتهي الحلوى، بينما في الحقيقة هي “بكتيرياك” التي تطلب ذلك.
2. أحماض دهنية قصيرة السلسلة (SCFA)
عندما تتغذى البكتيريا الجيدة على الألياف، تنتج مواد سحرية تسمى الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (مثل البيوتيرات – Butyrate). هذه المواد تقوم بـ:
-
تحفيز إفراز هرمونات الشبع (مثل GLP-1 و PYY).
-
تقليل الالتهابات في الجسم، مما يحسن حساسية الأنسولين.
ثالثاً: المحور المعوي-الدماغي (Gut-Brain Axis) والصحة النفسية
هل شعرت يوماً بـ “غصة” في بطنك عند التوتر؟ هذا هو الاتصال المباشر بين أمعائك ودماغك.
-
-
مصنع السعادة: يُنتج حوالي 90% من السيروتونين (هرمون السعادة والهدوء) في الأمعاء، ليس في الدماغ!
-
الأكل العاطفي: خلل التوازن البكتيري (Dysbiosis) يؤدي إلى زيادة نفاذية الأمعاء (Leaky Gut)، مما يسبب التهاباً خفيفاً مزمناً يؤثر على الدماغ، ويزيد من احتمالية القلق والاكتئاب، وبالتالي اللجوء إلى “الأكل العاطفي” للتهدئة.
-
رابعاً: كيف نعيد برمجة النظام؟ (البريبايوتكس والبروبيوتكس)
الخبر الجيد هو أن الميكروبيوم مرن ويمكن تغييره. الحل يكمن في استراتيجية “الزرع والتسميد”.
1. البروبيوتكس (Probiotics): البذور
اقرأ عن : رجيم انقاص الوزن قبل الزفاف بسرعة
هي البكتيريا النافعة نفسها التي نتناولها لزيادة عدد الجنود الجيدين.
-
المصادر: الزبادي اليوناني، الكفير (Laban Kefir)، المخللات المخمرة منزلياً (Sauerkraut)، والكيمتشي.
-
الفائدة: تعزيز التنوع البكتيري ومحاربة البكتيريا الضارة.
2. البريبايوتكس (Prebiotics): السماد
لا فائدة من تناول البكتيريا النافعة إذا قمت بتجويعها. البريبايوتكس هي “الألياف” التي لا يهضمها جسمك، لكنها الغذاء المفضل للبكتيريا النافعة.
-
المصادر: الثوم، البصل، الهليون (Asparagus)، الموز (خاصة غير الناضج قليلاً)، الشوفان، وبذور الكتان.
-
الفائدة: تغذية عائلة Bacteroidetes وزيادة إنتاج الأحماض الدهنية (SCFA) التي تسد الشهية.
3. البوليفينول (Polyphenols)
مركبات نباتية تعمل كوقود للبكتيريا الصديقة للنحافة.
-
المصادر: الشاي الأخضر، التوت الداكن، الشوكولاتة الداكنة (85%+)، وزيت الزيتون البكر.
الخلاصة
رحلة فقدان الوزن ليست مجرد حرمان وصراع مع النفس. إنها عملية “بستنة” داخلية. إذا كنت تغذي بكتيرياك بالسكر والأطعمة المصنعة، فأنت تربي “وحوشاً” ستطالبك بالمزيد من نفس الطعام. أما إذا غذيتها بالألياف والأطعمة الطبيعية، فستعمل هذه الكائنات الدقيقة لصالحك: تحرق الدهون، تفرز هرمونات الشبع، وتحسن مزاجك.
ابدأ بمعالجة أمعائك، وقد تجد أن “قوة إرادتك” قد أصبحت فجأة أقوى بكثير



