هل حدث يوماً أن أنهيت وجبة دسمة، وشعرت بالشبع التام، ولكن بعد لحظات من سماع خبر مزعج أو الشعور بالملل، وجدت نفسك تبحث في الثلاجة عن شيء حلو المذاق؟
هذا السيناريو المتكرر يكشف حقيقة بيولوجية ونفسية عميقة: نحن لا نأكل دائماً للبقاء على قيد الحياة. في كثير من الأحيان، نحن نأكل لنشعر بالراحة. لفهم هذا السلوك، يجب أن نميز بين نوعين مختلفين تماماً من الرغبة:
الجوع الفسيولوجي (الحاجة للوقود) والجوع العاطفي (الحاجة للمكافأة).
أولاً: الجوع الفسيولوجي (نداء الجسد)
هذا هو الجوع “الحقيقي”. إنه آلية بقاء فطرية تهدف للحفاظ على مستويات الطاقة والسكر في الدم.
-
موقعه: المعدة (شعور بالقرقعة أو الفراغ).
-
ظهوره: تدريجي. يبدأ خفيفاً ثم يزداد بمرور الوقت.
-
الرغبة: منفتح على أي خيارات. عندما تكون جائعاً حقاً، ستبدو التفاحة أو طبق السلطة خياراً جيداً.
-
النتيجة: يتوقف بمجرد الشبع. تشعر بالرضا الجسدي وتعود لممارسة حياتك.
ثانياً: الجوع العاطفي (فخ الدوبامين)
هذا النوع لا علاقة له بالمعدة الفارغة، بل هو “جوع العقل”. إنه محاولة من الدماغ لتغيير حالتك المزاجية باستخدام الطعام كأداة كيميائية.
-
موقعه: الرأس (تخيلات محددة لطعم أو قوام معين).
-
ظهوره: مفاجئ وملح. يضربك فجأة كرغبة قهرية.
-
الرغبة: محددة جداً. تشتهي البيتزا، الآيس كريم، أو الشوكولاتة حصراً. التفاحة لن ترضيك.
-
النتيجة: لا يتوقف عند الشبع الجسدي. غالباً ما ينتهي بالإفراط في الأكل يليه شعور بالذنب أو الخمول.
الكيمياء الخفية: لماذا السكريات والدهون؟
لماذا لا نلجأ إلى البروكلي عندما نكون مكتئبين؟ الإجابة تكمن في نظام المكافأة في الدماغ (Reward System) والناقل العصبي الشهير: الدوبامين.
1. الدوبامين: بائع السعادة الوهمية
الدوبامين ليس هرمون “المتعة” كما يُشاع، بل هو هرمون “الرغبة والتحفيز”. عندما تشعر بالتوتر (ارتفاع الكورتيزول) أو الحزن، ينخفض مستوى الدوبامين في دماغك. يرسل الدماغ إشارة استغاثة: “أحتاج إلى رفع سريع للدوبامين الآن!”.
2. السكر كـ “مخدر” سريع
الأطعمة الغنية بالسكر والدهون (Hyper-palatable foods) تثير مراكز المتعة في الدماغ بنفس الطريقة التي تعمل بها بعض العقاقير المخدرة، ولكن بشكل أقل حدة.
عندما تأكل قطعة شوكولاتة:
-
تنتقل إشارة “حلاوة” فورية من اللسان إلى الدماغ.
-
يُفرز الدوبامين بكثافة في منطقة النواة المتكئة (Nucleus Accumbens).
-
يشعر الدماغ بالهدوء المؤقت وتتلاشى المشاعر السلبية للحظات.
هنا تكمن المشكلة: الدماغ يتعلم الربط الشرطي. (حزن = شوكولاتة). في المرة القادمة التي تحزن فيها، سيطلب دماغك الشوكولاتة تلقائياً، ليس لأنك جائع، بل لأنه يريد “الجرعة”.
جدول المواجهة: كيف تفرق بينهما؟
احتفظ بهذا الجدول في ذهنك قبل كل وجبة غير مخطط لها:
| وجه المقارنة | الجوع الفسيولوجي (الجسدي) | الجوع العاطفي (النفسي) |
| التوقيت | يأتي تدريجياً (بعد ساعات من آخر وجبة) | يأتي فجأة (استجابة لموقف أو شعور) |
| الاختيارات | يقبل أي طعام صحي (خضار، بروتين) | يصر على طعام محدد (سكريات، وجبات سريعة) |
| التحكم | يمكنك الانتظار وتأجيل الأكل قليلاً | ملحّ، يتطلب إشباعاً فورياً |
| الشعور أثناء الأكل | أكل بوعي واستمتاع | أكل سريع، لا واعي (تلتهم دون تذوق) |
| بعد الأكل | شعور بالرضا والتوقف عند الشبع | شعور بالذنب، أو الرغبة في المزيد رغم الامتلاء |
استراتيجية الخروج: كيف تكسر الدائرة؟
عندما تشعر برغبة مفاجئة في الأكل، لا تستسلم فوراً ولا تقاوم بقسوة، بل استخدم تكتيكات الذكاء العاطفي:
1. قاعدة الـ 15 دقيقة (ركوب الموجة):
اقرأ عن : رجيم الليمون لإنقاص ٤ كيلو في الأسبوع و ١١ كيلو في الشهر
الرغبة العاطفية تشبه الموجة؛ ترتفع بشدة ثم تنكسر وتتلاشى. عندما تشعر بالرغبة، قل لنفسك: “سآكل هذا، ولكن بعد 15 دقيقة”. في 90% من الحالات، ستنشغل بشيء آخر وتختفي الرغبة لأن الدماغ غيّر تركيزه.
2. اختبر نفسك (اختبار التفاحة):
اسأل نفسك: “هل أنا جائع لدرجة أنني مستعد لأكل تفاحة بقشرها أو طبق خيار؟”
-
إذا كان الجواب نعم: فأنت جائع فسيولوجياً. كُل وجبة متكاملة.
-
إذا كان الجواب لا (أريد كعكة فقط): فهذا جوع عاطفي. أنت تبحث عن الدوبامين وليس الطاقة.
3. تقنية “HALT”:
قبل أن تفتح الثلاجة، افحص حالتك النفسية. هل أنت:
-
Hungry (جائع فعلاً؟)
-
Angry (غاضب؟)
-
Lonely (وحيد؟)
-
Tired (متعب؟)
إذا كنت غاضباً، فالحل هو المشي أو التنفس، وليس الأكل. إذا كنت متعباً، فالحل هو النوم. عالج السبب الجذري، لا العرض.
اقرأ عن : لماذا اشعُر بطعم صدأ في فمي ؟
الخلاصة
الطعام وقود رائع للجسم، لكنه طبيب نفسيّ سيء جداً. فهمُك لميكانيكية الدوبامين لا يعني أنك لن تشتهي الحلوى أبداً، ولكنه يمنحك “ثانية من الوعي” قبل اتخاذ القرار. في تلك الثانية، يمكنك أن تختار: هل أطعم جسدي ليعيش، أم أخدر مشاعري لأهرب؟



