في رحلة فقدان الدهون، يصل كل شخص تقريباً إلى تلك النقطة المحبطة: الميزان يتوقف عن التحرك، الجوع يصبح لا يُطاق، ومستويات الطاقة تنهار. في هذه اللحظة، تبرز استراتيجيتان شائعتان لكسر هذا الجمود: “يوم إعادة التغذية” (Refeed Day) أو “وجبة الغش” (Cheat Meal).
ظاهرياً، يبدو الأمران متشابهين: تناول كمية أكبر من الطعام مقارنة بأيام الحمية المعتادة. ولكن تحت المجهر الفسيولوجي، الفرق بينهما كالفرق بين إجراء عملية جراحية دقيقة وبين ضرب شيء بمطرقة.
السر يكمن في كيفية استجابة جسمك هرمونياً لأنواع مختلفة من السعرات الحرارية، وتحديداً هرمون واحد يسيطر على عملية حرق الدهون: اللبتين (Leptin).
المشكلة: التكيف الأيضي وعدوّك “اللبتين”
قبل أن نفهم الحل، يجب أن نفهم المشكلة. عندما تتبع حمية غذائية لفترة طويلة (عجز في السعرات الحرارية)، فإن جسمك لا يفهم أنك تحاول الحصول على جسم رشيق للشاطئ؛ هو يظن أنك تواجه مجاعة.
استجابةً لذلك، تقوم خلاياك الدهنية بتقليل إفراز هرمون اللبتين. اللبتين هو “مقياس الوقود” في جسمك؛ هو يرسل إشارات للدماغ (تحت المهاد) ليخبره بمقدار الدهون المخزنة لديك.
-
لبتين مرتفع: يقول للدماغ: “لدينا طاقة كافية، احرق السعرات بحرية، وأوقف الشعور بالجوع”.
-
لبتين منخفض (أثناء الرجيم): يصرخ في الدماغ: “نحن نتضور جوعاً! أبطئ الأيض للحفاظ على الطاقة، وارفع مستويات الجوع إلى أقصى حد”.
هذا هو التكيف الأيضي (Metabolic Adaptation). لكسر هذه الحلقة، نحتاج إلى “خداع” الجسم ليعتقد أن المجاعة قد انتهت، وذلك برفع مستويات اللبتين مؤقتاً. وهنا يكمن الاختلاف الجذري بين “إعادة التغذية” و”الغش”.
أولاً: أيام إعادة التغذية (Refeeds) – الضربة الهرمونية الدقيقة
يوم إعادة التغذية ليس عذراً لتناول كل ما تقع عليه عينك. إنه استراتيجية محسوبة بدقة تهدف لرفع اللبتين بأقل قدر ممكن من تخزين الدهون.
العلم وراء إعادة التغذية:
المفتاح هنا هو الكربوهيدرات. الدراسات الفسيولوجية واضحة جداً في هذه النقطة: زيادة استهلاك الكربوهيدرات تؤدي إلى ارتفاع مستويات الأنسولين، والأنسولين هو المحفز الرئيسي لخلايا الدهون لإنتاج المزيد من اللبتين.
على العكس من ذلك، فإن تناول كميات كبيرة من الدهون الغذائية (الدهون التي تأكلها) ليس له تأثير يذكر على مستويات اللبتين.
كيف يبدو يوم إعادة التغذية؟
اقرأ عن : توقيت الكربوهيدرات وحساسية الأنسولين: كيف توجه الغذاء نحو العضلات لا الدهون؟
-
كربوهيدرات عالية جداً: يتم رفع الكربوهيدرات بشكل كبير (أحياناً إلى ضعف الكمية المعتادة أو أكثر) لملء مخازن الجليكوجين في العضلات وتحفيز الأنسولين بقوة.
-
دهون منخفضة جداً: يتم تقليل الدهون إلى الحد الأدنى. لماذا؟ لأنك في فائض سعرات حرارية، وتناول الدهون مع الكربوهيدرات العالية في هذا الوضع يعني أن تلك الدهون ستخزن مباشرة في أنسجتك الدهنية، دون أن تساهم في رفع اللبتين.
-
بروتين معتدل: يبقى البروتين كما هو أو يقل قليلاً.
الهدف الهرموني: ارتفاع حاد في اللبتين، زيادة في هرمونات الغدة الدرقية النشطة (T3) التي ترفع معدل الحرق، وانخفاض في هرمون التوتر (الكورتيزول).
ثانياً: وجبات الغش (Cheat Meals) – الراحة النفسية المكلفة
وجبة الغش غالباً ما تكون غير منظمة، وتعتمد على الرغبة الشديدة (Cravings). بيتزا، برجر وبطاطس مقلية، حلويات دسمة. العامل المشترك في هذه الوجبات هو أنها غالباً ما تكون مزيجاً قنبلياً من الكربوهيدرات العالية + الدهون العالية.
التأثير الهرموني لوجبة الغش:
بينما توفر وجبة الغش راحة نفسية هائلة وكسراً لروتين الحمية الممل، إلا أنها فاشلة من الناحية الهرمونية لتعزيز الأيض مقارنة بإعادة التغذية:
-
استجابة لبتين ضعيفة: وجود كميات كبيرة من الدهون في الوجبة قد يقلل من حساسية اللبتين ولا يحفز إنتاجه بنفس قوة الكربوهيدرات الصافية.
-
تخزين فوري للدهون: عندما تتناول وجبة تحتوي على 1500 سعرة حرارية مليئة بالكربوهيدرات والدهون معاً، فإن الأنسولين المرتفع (بسبب الكربوهيدرات) سيفتح أبواب الخلايا الدهنية، وستدخل الدهون الغذائية (من الجبن والزيوت) لتُخزن مباشرة. الجسم سيستخدم الكربوهيدرات للطاقة ويخزن الدهون الغذائية.
الهدف الحقيقي: راحة نفسية واجتماعية، وليس تحفيزاً أيضياً.
اقرأ عن : علاج الخلل الهرموني 18 علاج طبيعي بدون أدوية هرمونية
جدول المقارنة: المعركة الهرمونية
| وجه المقارنة | يوم إعادة التغذية (Refeed) | وجبة الغش (Cheat Meal) |
| التركيبة الغذائية | كربوهيدرات عالية، دهون منخفضة جداً. | عشوائية، غالباً كربوهيدرات عالية ودهون عالية. |
| المدة | يوم كامل (عادة) أو عدة أيام. | وجبة واحدة. |
| التأثير على اللبتين | تحفيز قوي ومستدام (بسبب الأنسولين والكربوهيدرات). | تحفيز ضعيف إلى متوسط. |
| خطر تخزين الدهون | منخفض (لغياب الدهون الغذائية في الفائض). | مرتفع (بسبب دمج الدهون العالية مع الأنسولين المرتفع). |
| الهدف الأساسي | فسيولوجي: رفع الأيض، ملء الجليكوجين. | نفسي: كسر الروتين، الاستمتاع الاجتماعي. |
الخلاصة: متى تستخدم أي سلاح؟
إن فهم الفرق بين هاتين الأداتين يتيح لك استخدامهما بذكاء:
استخدم “إعادة التغذية” (Refeed) عندما:
-
تكون نسبة دهونك منخفضة بالفعل (أقل من 15% للرجال، 22% للنساء) لأنك تكون أكثر عرضة لانخفاض اللبتين.
-
تكون في حمية قاسية لفترة طويلة وتوقف وزنك عن النزول رغم التزامك.
-
تشعر ببرودة في الأطراف، خمول شديد، وضعف في الأداء الرياضي (علامات تباطؤ الأيض).
استخدم “وجبة الغش” (Cheat Meal) عندما:
-
تحتاج إلى استراحة ذهنية للحفاظ على التزامك بالحمية على المدى الطويل.
-
لديك مناسبة اجتماعية لا تريد أن تلتزم فيها بحسابات دقيقة.
-
تكون في بداية الحمية ونسبة دهونك مرتفعة (تأثير اللبتين لا يكون بنفس الأهمية في البداية).
في النهاية، الانضباط مطلوب في كلتا الحالتين. إعادة التغذية تتطلب انضباطاً في حساب الكربوهيدرات وتقليل الدهون، ووجبة الغش تتطلب انضباطاً في عدم تحويل الوجبة إلى أسبوع كامل من التخريب.



